تقرير استرالي يروي القصة الكاملة لاحتجاج “شهير” على غزو العراق.. ما علاقته بما يحدث في غزة؟

0 34

استعادت “شبكة ايه بي سي” الاسترالية تجربة لافتة من الاحتجاجات التاريخية التي شهدتها أستراليا قبل أكثر من 20 سنة، احتجاجا على الحرب المقررة على العراق، والتي تضمنت عملا احتجاجيا لفت أنظار العالم، من خلال كتابة شعارات مناهضة للحرب على مبنى دار الأوبرا الشهير في سيدني، بما يعكس الجرأة والتحدي بوجه الحرب الوشيكة وقتها.
وبداية قال التقرير الاسترالي، انه “ربما لم تسمع أبداً عن ديف بيرجيس وويل سوندرز، الا أنه من المؤكد أنك شاهدت أعمالهم اليدوية” حيث انهما قبل 21 سنة، قاما بتشويه دار الأوبرا في سيدني باستخدام علبتي طلاء بجرأة في تحدٍ للحرب الوشيكة في العراق.
وذكر التقرير كيف كانت الأجواء في شوارع المدن الكبرى في استراليا في بداية العام 2003، حيث ستصادف لافتات مناهضة للحرب ومسيرات متحمسة للسلام، وذلك بعد أقل من عامين على هجمات 11 سبتمبر/ايلول على مباني مركز التجارة العالمي في نيويورك، وبداية ما سمي “الحرب على الإرهاب”.
واستعاد التقرير الخطاب السياسي في الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، كان يدفع وقتها نحو نزع اسلحة الدمار الشامل العراقية، في حين أن أستراليا بقيادة رئيس الوزراء جون هاورد كان قد التزمت بدعم واشنطن بالانضمام الى تحالف عسكري لغزو العراق.
ولفت التقرير الى أنه في الوقت الذي كان فيه العديد من الأستراليين مؤيدين لقرار هاورد، فان شرائح كبيرة منهم كانت تشعر بالغضب وشاركت في تظاهرات احتجاجية في الشوارع، بمئات الآلاف، وعلى مدى أيام متواصلة.
ونقل التقرير عن ويل قوله “كان هناك المشاهد الفظيعة بالعجز، حيث تشعر أن اشخاصا اقوى منك كانوا يقومون بأمور لا سيطرة لك عليها والتي قد تكون بمثابة كارثة”.
وذكر التقرير بأن تظاهرات مؤيدة للسلام نظمت في 14 فبراير/شباط العام 2003، في كافة أنحاء العالم.
ونقل عن ديف قوله إن “نصف مليون شخص شاركوا في جميع أنحاء أستراليا، وكانوا من الامهات والاباء، والناس التي لم يسبق لها ان احتجت من قبل” حيث كان ديف وويل من بين هؤلاء الآلاف الذين خرجوا الى الشوارع في المظاهرات.
وذكر التقرير بأن تلك الاحتجاجات كانت هذا قبل ظهور الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث كان الانخراط والخروج إلى الشارع هو الطريقة الأكثر فعالية لإيصال الصوت، مشيرا الى ان تلك المظاهرات كانت الاكبر في استراليا منذ حرب فيتنام، وأنها عبرت عن رفض الاستراليين الانخراط في حرب العراق.
وتابع التقرير أنه بينما استخدمت الشخصيات الاسترالية البارزة شهرتها من أجل الدفع باتجاه تغيير استراليا لسياستها، فان المتظاهرين الاستراليين رفعوا لافتات وارتدوا ازياء لجذب اهتمام وسائل الإعلام والسياسيين، إلا أنه في صباح 18 مارس/آذار من ذلك العام، استيقظ سكان سيدني على كلمتين مقتضبتين مكتوبتين باللون الأحمر الفاقع على قمة أحد أشهر الرموز في البلاد، أي دار الأوبرا في سيدني.
وبحسب التقرير، فان ذلك كان يمثل “رسالة قوية” مناهضة للحرب موجعة الى كل الدول في العالم، وكانت على ارتفاع 67 مترا، وفي أحد أبرز مناطق الجذب السياحي في المدينة، ولم يكن تنفيذ ذلك بسيطا.
واستعاد التقرير ما بادر اليه كل من ديف وويل أثناء جلوسهما في احد الحانات في سيدني، وكيف بحثا احتجاجهما السلمي.
وتابع ان ديف (كان في الـ33)، وهو ناشط في المجال البيئي، وويل (كان في ال42) وهو عالم فلك من انكلترا، كانا يستهدفان نشر التوعية بان الاستراليين لم يكونوا موافقين على قرار هاورد بالمشاركة في الحرب. وبعدما قرر ديف وويل في بداية الأمر كتابة شعارات على جدران المدينة، الا انهم اعتبرا ان ذلك لن يحقق الرسالة المرجوة بما يكفي.
وذكر التقرير بان ويل كان يشعر بالغضب و”يغلي بشدة، مثلما كانت بقية البلاد أيضا”، وقال فجأة “اريد ان افعل شيئا ما”، فيما بدأ الرجلان بعدها التفكير بشكل اكبر واكثر جرأة، بدلا من الاكتفاء بالكتابة على الجدران.
وبحسب التقرير فإن ديف اقترح ممازحا في البداية الكتابة على الشراع العلوي لدار الأوبرا، الا انهما كانا قلقين من العواقب، وبعد مناقشات عديدة بينهما، تم اتخاذ القرار، في حين كان ويل يتوقع أن يتم ترحيله من استراليا فيما لو قام بهذا الاحتجاج.
ولفت التقرير إلى أن الرجلين قاما في البداية برحلة استطلاعية الى موقع دار الأوبرا لتحديد ما إذا كان التسلق الى القمة ممكنا أم لا، ثم اشتروا أدوات للطلاء قابلة للتمديد بمقابض يبلغ طولها 5 أمتار، ثم تدرب ويل على أسلوب الرسم حيث تبين لهما في البداية انهما سيكتبان بالمقلوب وبالعكس عبارة RAW ON” ” بدلا من عبارة “NO WAR”.
وذكر التقرير ان الامطار التي هطلت عطلت محاولتهم الاولى، ثم في اليوم التالي، استيقظت سيدني على سماء زرقاء وبدءا تنفيذ مهمتها، وتنكرا بملابس مسافرين من الرحالة، واخفيا أدوات الطلاء بأعلام استراليا التي كانت تبرز من حقائبهما على الظهر.
وتابع التقرير أنه قبل الساعة ال9 صباحا بدأ الصعود والتسلق نحو قمة دار الأوبرا وهما يحملان المعدات اللازمة، والتي أصبحت الان بمثابة تذكارات تاريخية لهما. ولم يكن تسلقهما سهلا خصوصا بالنسبة لضعاف القلوب.
وبينما توقع الرجلان ان تحاول الشرطة اعتقالهما قبل وصولهما الى القمة، الا انهما اغلقا احدى نقاط الوصول وتركا ملاحظة لطمأنة عناصر الشرطة بأنهما من المتظاهرين السلميين، وتسلقا صعودا نحو القمة.
ونقل التقرير عن ديف قوله “كانت وظيفتي أن اسكب الطلاء في الدرج واتحدث الى الشرطة عبر الهاتف، بينما يواصل ويل كتابة عبارة (لا للحرب) بدقة شديدة”.
ولفت التقرير إلى أنه لم يكن امامهما سوى 20 دقيقة لإنهاء عملهما قبل أن يتم اعتقالهما. وعندما وصلت الشرطة اليهما، وادركا أنهما على وشك أن يتم القبض عليهم، قدم ديف طلبا غير متوقع، حيث قال للشرطة “انظروا، لن نكون هنا مرة اخرى في حياتنا. هل يمكننا جميعا أن نأخذ دقيقة لالقاء نظرة؟” على مدينة سيدني، فقبلوا معهما هذا الطلب.
وذكر التقرير أنه بعد اعتقالهما، فان ديف وويل وجهت إليهما اتهامات باحداث اضرار بشكل متعمد، إلا انهما حافظا على موقفهما المتحدي ولم يعتذرا، وقالا ان “كل ما قمنا به هو طلاء المبنى”.
ونقل التقرير عن ديف قوله للصحفيين وقتها بعد مثوله أمام المحكمة، “نحن لم نخض الحرب ونقصف امة باكملها”.
وبرغم ذلك، قال التقرير إن الطلاء المستخدم في الحركة الاحتجاجية لم يكن من الطلاء المائي، مما يعني أن عمال النظافة في دار الأوبرا لم يتمكنوا من إزالته بالغسيل العادي. ولهذا، فقد حكم عليهما أن يدفعا بدل فاتورة التنظيف البالغة 151 ألف دولار، وهو ما يعادل حوالي 250 ألف دولار بقيمة الدولار اليوم.
وذكر التقرير بأن رئيس دار الأوبرا في سيدني نورم غيليسبي ندد بحركتهما وقتها قائلا انها “اعمال تخريب متهورة”، معتبرا ان تشويه هذا المبنى السياحي بهذه الطريقة “هو أمر مشين”.
وختم التقرير بالإشارة إلى أنه بعد عدة جلسات لمحاكمتهما، لم يتم ترحيل ويل، البريطاني الجنسية، ولكن تمت إدانتهم بالسجن لمدة 9 أشهر في عطلة نهاية الأسبوع، حيث قضيا محكوميتهما في سجن سيلفر ووتر في سيدني.
ولفت التقرير إلى أنه على مدى السنوات الـ3 التي تلت ذلك، نجح ديف وويل بجمع ما يكفي من المال لدفع الغرامة الباهظة بطريقة استرالية تماما، من خلال جمع الأموال بكتابة عبارة “لا للحرب” على مجسمات زجاجية صغيرة لمبنى دار الاوبرا، وبيعها، حيث كان الامر مثيرا للضحك، حيث ان كل الناس كانوا يريدون شراء هذه التذكارات، بما في ذلك عناصر الشرطة أنفسهم.
ونقل التقرير عن ويل قوله “كنت أذهب الى السجن، واعود بعد ظهر يوم الاحد واجلس هناك في فناء منزلي لارسم، حيث كان الوضع كأنك في المدرسة وتتم معاقبتك لسوء تصرفك وكان عليك أن تكتب على السبورة 100 مرة، عبارة مفادها: لا ترسم على دور الأوبرا”.
ولفت التقرير الى ان ويل يعيش الآن في فرنسا، وعندما يفكر في حركته الاحتجاجية مع ديف، فانه لا يشعر باي ندم.
ونقل التقرير عنه قوله “بالنسبة لي، كل هذا مجرد تاريخ قديم، وكل ذلك مجرد قصص جميلة ومضحكة في بعض الاحيان. انا اعيش في بلد آخر، واعيش حياة مختلفة تماما”.
ويتابع قائلا “لكن بالنسبة للفقراء العراقيين، فان الامر يستمر ويستمر ويستمر، وهذا الرعب الذي تعرضوا لهم، الذين يعيشون في هذا الكابوس الذي لا مفر منه”.
والآن، في ظل الحرب الدائرة حاليا في غزة، يقول ويل أن مشاعر العجز التي شعر بها في العام 2003 قد عادت الى الظهور، قائلا انه “يبحث عن شيء يفعله لإحداث فرق، دون الوصول الى هناك هذه المرة”.
وأضاف “ربما يجب أن يكون هناك ظلام قبل الفجر. لكننا سنرى”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اكتشاف المزيد من الوكالة العراقية الاخبارية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

آخر الأخبار